محمد بن جرير الطبري

497

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وزعم بعض أهل العربية أن قارئ ذلك كذلك ، أراد " إنّ " الثقيلة فخففها ، وذكر عن أبي زيد البصري أنه سمع : " كأنْ ثَديَيْه حُقَّان " ، فنصب ب " كأن " ، والنون مخففة من " كأنّ " ، ومنه قول الشاعر : ( 1 ) وَوَجْهٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ . . . كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ ( 2 ) * * * وقرأ ذلك بعض المدنيين بتخفيف : ( إنْ ) ونصب ( كُلا ) ، وتخفيف ( لَمَا ) . * * * وقد يحتمل أن يكون قارئ ذلك كذلك ، قصدَ المعنى الذي حكيناه عن قارئ الكوفة من تخفيفه نون " إن " وهو يريد تشديدها ، ويريد ب " ما " التي في " لما " التي تدخل في الكلام صلة ، ( 3 ) وأن يكون قَصَد إلى تحميل الكلام معنى : وإنّ كلا ليوفينهم . ويجوز أن يكون معناه كان في قراءته ذلك كذلك : وإنّ كُلا ليوفينهم ، أي : ليوفين كُلا = فيكون نيته في نصب " كل " كانت بقوله : " ليوفينهم " ، فإن كان ذلك أراد ، ففيه من القبح ما ذكرت من خلافه كلام العرب . وذلك أنها لا تنصب بفعل بعد لام اليمين اسمًا قبلَها . * * * وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والبصرة : ( وَإنَّ ) مشددة ( كُلا لَمَا ) مخففة ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) . ولهذه القراءة وجهان من المعنى : أحدهما : أن يكون قارئها أراد : وإن كلا لمَنَ ليوفينهم ربك أعمالهم ، فيوجه " ما " التي في " لما " إلى معنى " من " كما قال جل ثناؤه : ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) ، [ سورة النساء : 3 ] ، وإن كان أكثر استعمال العرب

--> ( 1 ) من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها . ( 2 ) سيبويه 1 : 281 ، رفعًا " كأن ثدياه ، وابن الشجري في أماليه 1 : 237 رفعًا 2 : 3 ، نصبا ، والخزانة 4 : 358 ، والعيني ( هامش الخزانة ) 2 : 305 . ( 3 ) " صلة " ، أي : زيادة ، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف .